محمد متولي الشعراوي
1684
تفسير الشعراوى
أما عن حبل الناس فذلك لأنهم لا يملكون أي عزة ذاتية ، إنهم دائما في ذلة إلا أن يبتغوا العزة من جانب عهد وحبل من اللّه ، أو من جانب حماية من الناس . ونحن نراهم على هذا الحال في حياتنا المعاصرة ، لابد لهم من العيش في كنف أحد ؛ لذلك فعندما حاربنا « إسرائيل » في حرب أكتوبر ، انتصرنا عليهم إلى أن تدخلت أمريكا بثقلها العسكري . فقال رئيس الدولة المصري : « لا جلّد لي أن أحارب أمريكا » . إذن لو كانت الحرب بيننا وبينهم فقط لانتهت قوتهم ؛ فهم بلا عزة ذاتية ، وتكون لهم عزة لو كانوا في جانب حبل من اللّه ، أو حبل من الناس . يقول الحق سبحانه عنهم من بعد ذلك : « وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ » ولنا أن نلاحظ أن الذلة لها استثناء ، فهم ينالون العزة لو كانوا بجانب حبل من اللّه أو حبل من الناس ، أما المسكنة ، فلا استثناء فيها ، وقد قال الحق عنهم في موضع آخر في القرآن الكريم : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ( من الآية 61 سورة البقرة ) لأن المسكنة أمر ذاتي في النفس ، إنهم مساكين بأمر من اللّه ، أما الذلة فقد يأتي لهم من ينصرهم ويقف بجانبهم ؛ فالذلة أمر من خارج ، أما المسكنة فهي في ذاتيتهم ، وعندما تكون المسكنة ذاتية ، فلا إنقاذ لهم منها ؛ لأنه لا حبل من اللّه يأتيهم فينجيهم منها ، ولا حبل من الناس يعصمهم من آثارها . ويقول الحق : « وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ » وهل رأى أحد منا غضبا أكبر من أن الحق قد قطعهم في الأرض ؟ ولنقرأ قول اللّه : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً ( من الآية 168 سورة الأعراف ) المكان الوحيد الذي آواهم في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الجزيرة العربية في يثرب ، واستقروا قليلا ، وصارت لهم سيادة علمية ؛ لأنهم أهل كتاب ، وصارت لهم سيادة اقتصادية ، وكذلك سيادة حربية ، وهذا المكان الذي أواهم من الشتات في الأرض هو المكان نفسه الذي تمردوا عليه . لقد كان السبب الذي من أجله قد جاءوا إلى يثرب هو ما كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ؛ ففي التوراة